مصطفى لبيب عبد الغني
90
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
قاعدة ثابتة والتي يسندها وعى نظري . وفي ذلك يقول الرازي : « لا تظنّن بأمى ولا عامي ، لا دربة معه بالقياس والنظر ، حذقا بالصناعة الطبية ، ولا عمل صواب - إن كان منه - إلا على حسن الاتفاق » « 1 » . ومن زاول المرضى من غير أن يقرأ الكتب يفوته ويذهب عنه دلائل كثيرة ، ولا يشعر بها البتة ، ولا يمكن أن يلحق بها في مقدار عمره ، ولو كان أكثر الناس مزاولة للمرضى ، ما يلحق قارىء الكتب مع أدنى مزاولة . « 2 » فيكون كما قال الله عز وجل : وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( يوسف آية 105 ) . فالمتصفح لبرنامج التعليم الطبى في تراث الرازي يدرك أن محك تقدير الطبيب عنده هو في مدى استيعابه لنظريات السابقين ومعارفهم الأساسية التي تسند خبرته المتصلة وتوجهها . وهو في آخر المقالة الرابعة من كتابه « المنصوري » يعرض لمحنة الطبيب مبينا أنه « ينبغي أن ينظر في ما ذا أفنى الطبيب أيام زمانه وما همته إذا انفرد وخلا . فإن كان أفنى دهره بتصفح كتب الأطباء والطبيعيين ، وكانت همته إذا خلا ، فليحسن به الظن . وإن كان إنما أفنى ما مضى من عمره في شئ غير ما ذكرنا وكانت همته إذا خلا الاشتغال باللهو والشراب ونحوه فليساء الظن به . ومن كان يدمن النظر في الكتب فينبغي أيضا أن ينظر في مقدار عقله وفطنته وهل له نظر في كتب المتفلسفين وهل له قوة في البحث والنظر أم لا . فإن كانت قد طالت صحبته لهؤلاء القوم واكتسب منهم حظا من القوة على البحث والنظر . فينبغي أن ينظر هل هو يفهم ما يقرأ أو بالضد . . . » « 3 » . فالجانب النظري الذي يسبق الممارسة هو الأساس في كل الصناعات والمهن - ومن بينها مهنة الطب . والناظر في الطب غرضه - كما يقول الرازي « حفظ الصحة إذا وجدها وطلبها إذا فقدها . وهو خادم للطبيعة بالعلم والعمل ، علم يحيط بعين العلة ، وعمل يأتي على اجتلاب الصحة » « 4 » .
--> ( 1 ) الرازي : « المرشد أو الفصول » ص 118 . ( 2 ) الرازي : المرشد أو الفصول » ص 119 . ( 3 ) الرازي : « المنصوري » ص 235 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 290 وأيضا : مفتتح المقالة الأولى من كتاب « المنصوري » ص 29 .